تقوم كل مؤسسة على إجراءات عمل، سواء كانت موثّقة أم لا: تُستلم الطلبات، وتُشترى البضائع، وتُصدر الفواتير، وتُمنح الموافقات، ويُخدم العملاء. وحين تعمل هذه الإجراءات بكفاءة، يسود العمل الهدوء والقدرة على التوقع. أما حين تتعثر، فالأعراض مألوفة: إعادة العمل، والتأخير، والأخطاء، واستياء العملاء، ومديرون منشغلون بإطفاء الحرائق.
وتحسين إجراءات العمل ممارسة منضبطة تهدف إلى فهم الطريقة التي يُنجز بها العمل فعليًا، ثم الارتقاء بها لتصبح أسرع وأكثر موثوقية وأقل تكلفة وأسهل في الضبط. يستعرض هذا المقال منهجًا عمليًا يمكن للمؤسسات بمختلف أحجامها تطبيقه.
لماذا تتراجع كفاءة الإجراءات؟
قلّما تُصمَّم الإجراءات بصورة سيئة منذ البداية؛ ففي الغالب تنحرف تدريجيًا. حلٌّ مؤقت يُعتمد خلال فترة ضغط فيصبح دائمًا، ونظام جديد يُضاف دون الاستغناء عن جدول البيانات القديم، وخطوة موافقة وُضعت لحالة استثنائية تُطبَّق على كل معاملة. ومع الوقت تتراكم الطبقات، ولا يعود لدى أحد تصور كامل لمسار العمل من بدايته إلى نهايته.
ويُسرّع النمو هذا الانحراف؛ فالإجراءات التي كانت تناسب عشرة موظفين وخمسين معاملة أسبوعيًا قد لا تناسب خمسين موظفًا وخمسمئة معاملة.
الأسس: أطر عمل راسخة
تحسين الإجراءات ليس تخصصًا جديدًا، وتستفيد الشركات من البناء على مناهج معترف بها بدلًا من ابتكار مناهجها الخاصة.
- نهج العمليات ودورة PDCA: تصف المنظمة الدولية للتوحيد القياسي (ISO) إدارة الجودة من خلال دورة "خطّط - نفّذ - افحص - صحّح"، أي التخطيط لما يجب فعله، وتنفيذ ما خُطط له، وفحص النتائج، ثم التصرف بناءً عليها لمزيد من التحسين. ويُعد "نهج العمليات" و"التحسين" من مبادئ إدارة الجودة السبعة لدى المنظمة، إلى جانب التركيز على العميل، والقيادة، وإشراك الأفراد، واتخاذ القرار المبني على الأدلة، وإدارة العلاقات.
- منهجية DMAIC: وهي مستمدة من منهجية "ستة سيغما"، وتعني: التعريف - القياس - التحليل - التحسين - الضبط، وتعرضها أدبيات معهد إدارة المشاريع (PMI) بوصفها هيكلًا عمليًا للانتقال من النتائج الحالية إلى أداء أفضل.
- التفكير الرشيق (Lean): كما توضح مواد معهد إدارة المشاريع حول التنفيذ الرشيق للمشاريع، يهدف هذا النهج إلى تسريع وتيرة العمليات عبر تقليص الوقت الذي لا يضيف قيمة، وهو ما يسميه الممارسون "الهدر".
وتشترك هذه الأطر في منطق واحد: افهم الوضع الراهن بالأدلة، وغيّر بصورة مدروسة، ثم رسّخ المكاسب.
منهج عملي من خمس خطوات
1. حدّد النطاق والنتيجة المرجوّة
ابدأ باختيار إجراء ذي أهمية، أي إجراء يؤثر في العملاء أو التدفق النقدي أو الامتثال أو الطاقة الاستيعابية. وحدّد بوضوح نقطة بدايته ونهايته، ومن يملكه، وما معنى "الأفضل" بالنسبة له. ومن الأهداف المعتادة: تقليص زمن الدورة، وخفض الأخطاء، وتقليل تكلفة المعاملة الواحدة، وتحسين تجربة العملاء.
2. ارسم الوضع الراهن
تتبّع الإجراء مع الأشخاص الذين ينفذونه فعليًا، ووثّق كل خطوة ونقطة قرار وعملية تسليم ونظام ومستند. وتجعل الأدوات المرئية، مثل المخططات متعددة المسارات، عمليات التسليم بين الفرق واضحة للعيان، وهي المواضع التي يكثر فيها التأخير والخطأ.
وتجنّب إغراء رسم الإجراء كما يُفترض أن يعمل؛ فالقيمة الحقيقية تكمن في رصد ما يحدث فعلًا، بما في ذلك الحلول الالتفافية.
3. قِس وحلّل
تحوّل الأدلة الآراء إلى قرارات. ومن المقاييس المفيدة:
- زمن الدورة: المدة التي يستغرقها الإجراء من بدايته إلى نهايته.
- وقت العمل الفعلي مقابل وقت الانتظار: أي الجزء من تلك المدة الذي يُنجز فيه عمل حقيقي.
- معدلات الأخطاء وإعادة العمل.
- الحجم والتباين: أي مدى تذبذب الطلب.
- تكلفة المعاملة الواحدة، متى أمكن تقديرها.
ثم يتجه التحليل إلى الأسباب الجذرية لا إلى الأعراض. ومن الأسباب الشائعة: غموض المسؤوليات، وتكرار إدخال البيانات، والموافقات غير الضرورية، وضعف جودة المدخلات، وأنظمة لا تتواصل فيما بينها.
4. صمّم التحسينات ونفّذها
تندرج خيارات التحسين عادةً ضمن فئات قليلة:
- الحذف: إلغاء الخطوات التي لا تضيف قيمة للعميل ولا للرقابة.
- التبسيط: تبسيط النماذج والموافقات وقواعد اتخاذ القرار.
- التوحيد: توحيد طريقة أداء العمل بإجراءات ونماذج واضحة.
- التكامل: ربط الأنظمة لإلغاء إعادة الإدخال.
- الأتمتة: أتمتة المهام المتكررة القائمة على قواعد محددة، ولكن بعد تبسيط الإجراء، حتى لا تصبح الأتمتة مجرد تسريع لعدم الكفاءة.
اختبر التغييرات على نطاق محدود قبل تعميمها؛ فالتجربة الأولية تكشف المشكلات العملية وتبني الثقة لدى المعنيين.
وكما تؤكد أدبيات معهد إدارة المشاريع حول تحسين إجراءات الأعمال، لا ينبغي أن تأتي مكاسب الكفاءة على حساب جودة المنتج أو الخدمة التي يقدمها الإجراء. كما ينبغي إعادة تصميم الضوابط التي تحمي الشركة، مثل الفصل بين المهام وحدود الصلاحيات وفحوص الامتثال، بعناية لا إلغاؤها.
5. اضبط وحافظ على المكاسب
في هذه الخطوة الأخيرة تتعثر كثير من جهود التحسين؛ فمن دون تعزيز متعمّد، تميل الإجراءات إلى العودة إلى العادات القديمة. ويتطلب الحفاظ على المكاسب:
- مالكًا محددًا للإجراء يتمتع بالصلاحية ويتحمل المسؤولية.
- إجراءات محدّثة وتدريبًا مناسبًا.
- مجموعة صغيرة من مؤشرات الأداء تُراجع بانتظام.
- آلية بسيطة تتيح للموظفين طرح المشكلات واقتراح تحسينات إضافية.
الجانب الإنساني للتحسين
ينفّذ الأفراد الإجراءات، ويعتمد التحسين الدائم عليهم. وتشير أعمال ماكنزي في مجال إدارة التغيير إلى أن مقاومة الموظفين وسلوكيات الإدارة غير الداعمة للتغيير المنشود من أبرز أسباب قصور جهود التغيير.
ومن الدلالات العملية لذلك: إشراك موظفي الخطوط الأمامية في رسم الإجراءات وإعادة تصميمها، وشرح أسباب التغيير بوضوح، وحرص القادة على أن يكونوا قدوة في أساليب العمل الجديدة، والاحتفاء بالنجاحات المبكرة. فالأفراد أكثر ميلًا بكثير إلى الحفاظ على إجراء أسهموا في تصميمه.
أخطاء شائعة ينبغي تجنّبها
- البدء بالتقنية: قد تُمكّن البرمجيات إجراءً أفضل، لكنها نادرًا ما تصنعه.
- محاولة إصلاح كل شيء دفعة واحدة: التحسينات المركّزة والمتسلسلة أسهل تنفيذًا واستدامة.
- الإفراط في القياس أو التفريط فيه: حفنة من المؤشرات ذات المعنى أفضل من لوحة متابعة مزدحمة.
- إهمال الضوابط والامتثال: الإجراء الأسرع الذي يُضعف الحوكمة يولّد مخاطر جديدة.
- إعلان النجاح مبكرًا: تحتاج التحسينات إلى وقت ومتابعة كي تترسخ.
من أين تبدأ؟
بالنسبة لمعظم المؤسسات، تكون نقطة البداية المثلى إجراءً واحدًا عالي الأثر، مثل دورة الطلب حتى التحصيل، أو دورة الشراء حتى السداد، أو إجراءات استقبال العملاء الجدد. ويمكن لمراجعة مركّزة على مدى بضعة أسابيع أن توضح مواضع هدر الوقت والجهد، وأن تبني زخمًا لتحسين أوسع.
ناقش متطلباتك معنا
تقدّم سوماك جلوبال سولوشنز خدمات الاستشارات الإدارية وإدارة المشاريع المتعلقة بإجراءات الأعمال والعمليات التشغيلية. إذا كنت تتطلع إلى مراجعة طريقة سير العمل في مؤسستك، أو إلى التخطيط للتحسينات وتنفيذها بصورة منظّمة، يسعدنا أن نناقش متطلباتك. وتتوقف النتائج على ظروف كل مؤسسة ومدى التزامها، ولا تشمل خدماتنا تقديم الاستشارات القانونية.